أبو البركات بن الأنباري
111
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين
فقد روي « الشّعرى رقابا » حكى ذلك سيبويه عن أبي الخطاب عن بعض العرب أنهم ينشدون البيت كذلك ، على أنا وإن لم ننكر صحة ما رويتموه ، فلا حجة لكم فيه ؛ لأنه من باب « الحسن الوجه ، والحسان الوجوه » وقد قالوا « الحسن الوجه » بنصب الوجه تشبيها بالضارب الرجل ، كما قالوا « الضارب الرجل » بالجر تشبيها ب « الحسن الوجه » وقد ذهب بعض البصريين إلى زيادة الألف واللام فيه ، فلما كان في تقدير التنكير جاز نصبه على التمييز ، فبان أن ما عارضتم به ليس بشيء . وأما قول النابغة : * أجبّ الظّهر ليس له سنام * [ 84 ] بفتحهما قد روي « أجبّ الظّهر » بجرهما ، وروي « أجبّ الظّهر » برفع الظهر لأنه فاعل والتقدير فيه عندنا : أجبّ الظهر منه ، وعندكم الألف واللام قامتا مقام الضمير العائد ؛ فلا حجة لكم في هذا البيت ، والجرّ فيهما هو القياس ، وإن صحت رواية النصب ؛ فيكون على التشبيه بالمفعول على ما بيّنا في البيت الأول ، لا على تقدير زيادة الألف واللام ونصبه على التمييز على ما ذهبتم إليه ، ولئن سلمنا على قول بعض البصريين ، وهو الجواب عن جميع ما احتججتم به ؛ لأنكم إذا قدرتم أن الألف واللام فيه زائدة فهو عندكم نكرة ، فإذن ما عمل [ 61 ] في معرفة ، وإنما عمل في نكرة ، والخلاف ما وقع في أنّ « أفعل » تعمل في النكرة ، وإنما وقع الخلاف في أنها تعمل في المعرفة . وأما قول الآخر : * على أدهم أجشّ الصّهيلا * [ 85 ] فالوجه جرّ « الصهيلا » إلا أنه نصبه على التشبيه بالمفعول ، أو على زيادة الألف واللام على ما قدّمنا . ثم لو سلمنا لكم صحة ما ادّعيتموه في هذه الأبيات ، وأجريناها في ذلك مجرى « ما أحسن الرجل » فهل يمكنكم أن توجدونا أفعل وصفا نصب اسما مضمرا أو علما أو اسما من أسماء الإشارة ؟ وإذا لم يمكن ذلك ووجدنا أفعل في التعجب تعمل في جميع أنواع المعارف النّصب دلّ على بطلان ما ذهبتم إليه من دعوى الإسمية . ومنهم من تمسّك بأن قال : الدّليل على أنه فعل ماض أنّا وجدناه مفتوح الآخر ، ولولا أنه فعل ماض لم يكن لبنائه على الفتح وجه ؛ لأنه لو كان اسما لارتفع لكونه خبرا ل « ما » على كلا المذهبين ، فلما لزم الفتح آخره دل على أنه فعل ماض .